مجد الدين ابن الأثير

367

المختار من مناقب الأخيار

حتى نكتب لك ما تريد . قال : إنّي صائم . فعجبنا من صومه في البرّيّة ، فلمّا فرغنا من غدائنا دعوناه ، فقلنا له : ما تريد ؟ فقال : أيّها الرجل ، إنّ الدّنيا قد كانت ولم أكن فيها ، وستكون ولا أكون فيها ، وإنّي أردت أن أعتق جاريتي هذه لوجه اللّه عزّ وجلّ ، ثم ليوم العقبة ، تدري ما يوم العقبة ؟ قوله عزّ وجل : فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ [ البلد : 10 - 12 ] ، اكتب ما أقول ولا تزيدنّ عليّ حرفا : هذه فلانة خادم فلان قد أعتقها لوجه اللّه عزّ وجلّ وليوم العقبة . قال شبيب : فقدمت البصرة ، وأتيت بغداد فحدّثت بهذا الحديث المهديّ ، فقال : مائة نسمة تعتق على عهدة الأعرابي « 1 » . * * * وقال إبراهيم بن أحمد الخوّاص : سلكت البادية ستة عشر طريقا على غير الجادّة ، فأعجب ما رأيت فيها : رجل ليس له يدان ولا رجلان ، وعليه من البلاء أمر عظيم ، وهو يزحف زحفا ؛ فتحيّرت منه ، وسلّمت عليه ، فقال : وعليك السلام يا إبراهيم . قال : فقلت له : بم عرفتني ، ولم ترني قبلها ؟ فقال : الذي جاء بك عرّف بيني وبينك . فقلت : صدقت ، إلى أين تريد ؟ فقال : إلى مكّة . قلت : ومن أين أنت ؟ قال : أنا من بخارى . فبقيت متعجّبا انظر إليه . فنظر إليّ شزرا ، وقال : يا إبراهيم ، تعجب من قويّ يحمل ضعيفا ، ويرفق به ؟ ثم دمعت عيناه ، وأرسل الدّموع ، فقلت له : لا يا حبيبي . وتركته على حاله ومضيت أنا . فلمّا دخلت مكة رأيته في الطواف وهو يزحف زحفا . رحمة اللّه عليه . * * *

--> ( 1 ) صفة الصفوة 4 / 380 .